محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
733
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 177 ] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 177 ) النظم لمّا بيّن الربّ تعالى أنّ المختلفين في الكتاب لفي شقاق بعيد من الحقّ والصدق والبرّ والإيمان عقّب ذلك بنفي ما اعتقدوه من البرّ وهو التوجّه إلى المشرق والمغرب مختلفين ، أو إلى القبلة في الصلاة متّفقين ، بل البرّ في الإيمان والطاعات ومواساة الإخوان بالصدقة إلى سائر الأعمال ؛ وفيه وجه آخر للنظم وهو أنّ اليهود كتموا ما في التوراة من أمر القبلة وكان ذلك من البيّنات على صدق النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - فأوعدهم على ذلك الكتمان وأخذ الأموال عليه بأنّهم يأكلون النار ويصيرون إلى النار ، عقّب ذلك بأنّ البرّ الذي هو مجمع خصال الخير ليس في التوجّه إلى جهة من حيث الصورة ، بل البرّ هو الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله وسائر الأعمال . التفسير والنزول قال قتادة والكلبي والربيع بن أنس والضحّاك ومقاتل : إنّ الآية نزلت في اليهود والنصارى لتحويل القبلة وطعنهم في المسلمين بذلك وهو اختيار ابن جرير ، قال : ليس [ البرّ ] أن يولّي بعضكم قبل المشرق وبعضكم قبل المغرب ولكن البرّ من آمن باللّه ؛ فهم الأبرار الذين يؤمنون باللّه ورسله من غير تفريق ويؤتون الزكاة من غير بخل ؛ واختلف المفسّرون في أنّ معنى « لَيْسَ » نفي لأصله أو نفي لتمامه ؛ فمن ذهب إلى أنّ الآية نزلت في اليهود قال هو نفي لأصله أي ليس توجّهكم إلى قبلتكم برّا أصلا ، وإنّما هو الإيمان باللّه